مرتضى الزبيدي
20
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
التوحيد . والباحثين عنه على قسمين ، فمنهم من نظر نظرا عاما في المعلوم من حيث هو معلوم ، وإن كان المقصود أولا بالذات العلم بواجب الوجود ، ومنهم من نظر نظرا خاصا وذلك فيما يجب للّه ويستحيل عليه ويجوز في أفعاله وما يوصل إلى ذلك إجمالا وتفصيلا ، والعلم الحاصل من الأول هو المسمى بعلم الكلام ، والثاني يسمى بعلم العقائد وهذا مندرج تحت الأوّل اندراج الأخص تحت الأعم ، ولذلك كانت المطالب التي تحصل من الأوّل أكثر لشمولها لشؤون الواجب وأحوال الممكن ، ولذلك حدّ هذا العلم بأنه الباحث عن أحوال الواجب وأحوال الممكنات من حيث المبدأ والمعاد وما يعم قصدا للتحقيق ، وأما الثاني : فلا يحصل منه إلا ما عبدنا باعتقاده فقط كما في هذه العقيدة يعني عقيدة ابن الحاجب والنسفية واللمع وغيرها ، ويدل على هذا ما اقتصر عليه من ينكر طريق الكلام كما هو طريق الفقهاء والمحدثين وغيرهم حيث اقتصروا على تحصيل العقائد من غير نظر في العالم بنظر المتكلم ، بل اقتصروا على المبادئ السمعية وما قرب من المبادئ العقلية ، ولذلك يحد هذا العلم بأنه العلم بالأحكام الشرعية الاعتقادية عن قاطع عقلي أو سمعي أو وجداني ، فعن قاطع يخرج التقليد وعقلي يدخل المتكلم وسمعي يدخل المحدث ووجداني يدخل الصوفي ، وما حدّ به المحقق سعد الدين الكلام حيث قال : الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن أدلتها اليقينية ، فحدّ له باعتبار المقصود منه ، إلّا فهو مشكل لإمكان ورود منع الجميع ، وإذا تقرر هذا فنقول : لا يكفي في معرفة موضوع هذا العلم أعني علم العقائد ومسائله ومبادئه معرفة موضوع الكلام ومسائله ومبادئه ، فلا بدّ من التعرض لذلك بخصوصه ، فموضوع علم العقائد ذات الواجب إذ الناظر في علم العقائد يبحث عن لواحق الواجب الذاتية أعني صفاته وأفعاله ، وكل ما يبحث في علم عن لواحقه الذاتية فهو موضوع لذلك العلم لا يقال موضوع العلم لا يتبين وجوده في ذلك العلم ، بل في علم آخر ، ومن المعلوم أن العلم بوجود الصانع يتبين في هذا العلم فكيف يكون هذا موضوعه لأنّا نقول : نمنع أن موضوع كل علم إنما يتبين وجوده في غيره ولئن سلمنا ذلك فنمنع أن صانع العالم يتبين وجوده في هذا العلم بل وجوده بديهي ، والمذكور إنما هو على جهة التنبيه قال تعالى : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ [ إبراهيم : 10 ] وبهذا قال جماعة من المحققين كابن البناء في مراسيمه ، أو أنه مبين في علم آخر وهو علم الكلام الذي هو أوسع وأشمل . كما نبهنا عليه . وأما مسائله ؛ فكل ما جعل الشرع العلم به إيمانا والجهل به كفرا وابتداعا ، وأما مبادئه فالقواطع العقلية والسمعية والإدراكات الوجدانية والحسية . الفصل السادس [ اصطلح أهل هذا الفن على ألفاظ فيما بينهم ، فلا بدّ في ابتداء التعليم من تعلمها ] أعلم أنه قد اصطلح أهل هذا الفن على ألفاظ فيما بينهم ، فلا بدّ في ابتداء التعليم من تعلمها ، ولنذكر هنا مشاهيرها . فمنها : العالم وهو ما نصب علما على العلم بصانعه مأخوذ من العلم بمعنى العلامة ، فمن ثم تعددت العوالم فيقال : عالم الانسان وعالم الجن وعالم الملائكة وغيرهم ، كما نبه عليه صاحب الكشاف ، ولما كان منشأ التسمية في الجميع العلامة ، وكانت في مجموع العوالم أجلى وأوضح خص